كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وَأَمَّا الْإِنْفَاقُ فِي مَصَالِحِ الْجِهَادِ وَغَيْرِهَا فَلَا يُؤْتُونَهُ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ لَهُ، غَيْرَ طَيِّبَةٍ أَنْفُسُهُمْ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعُدُّونَ هَذِهِ النَّفَقَاتِ مَغَارِمَ مَضْرُوبَةً عَلَيْهِمْ، تَقُومُ بِهَا مَرَافِقُ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْهُمْ، فَلَا يَرَوْنَ لَهُمْ بِهَا نَفْعًا فِي الدُّنْيَا، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِنَفْعِهَا لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَبِمَا قَرَّرْنَاهُ يَنْدَفِعُ إِيرَادُ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْكُفْرَ وَحْدَهُ كَافٍ فِي عَدَمِ قَبُولِ نَفَقَاتِهِمْ، فَأَيُّ حَاجَةٍ إِلَى وَصْفِهِمْ بِالْكَسَلِ عِنْدَ إِتْيَانِ الصَّلَاةِ، وَكُرْهِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ نَفَقَاتِ الْبِرِّ؟ وَتَمَحَّلَ الْجَوَابُ عَنْهُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ أَوِ الْأَشْعَرِيَّةِ؟ فَإِنَّ وَصْفَهُمَا بِمَا ذُكِرَ تَقْرِيرٌ لِكُفْرِهِمْ، وَدَفْعٌ لِلشُّبْهَةِ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْهِ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ كَمَا بَيَّنَّاهُ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) الْكَرَاهِيَةُ خِلَافُ الطَّوَاعِيَةِ، وَقَدْ جَعَلَهُمُ اللهُ طَائِعِينَ فِي قَوْلِهِ: {طَوْعًا} ثُمَّ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ {وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ}.
(قُلْتُ) الْمُرَادُ بِطَوْعِهِمْ أَنَّهُمْ يَبْذُلُونَهُ مِنْ غَيْرِ إِلْزَامٍ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَمِنْ رُؤَسَائِهِمْ، وَمَا طَوْعُهُمْ ذَاكَ إِلَّا عَنْ كَرَاهِيَةٍ وَاضْطِرَارٍ، لَا عَنْ رَغْبَةٍ وَاخْتِيَارٍ. اهـ. عَلَى أَنَّهُ فَسَّرَ الْكَرْهَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى بِالْإِكْرَاهِ.
وَالرَّاجِحُ عِنْدِي مَا قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بَطَوْعِهِمْ مَا كَانَ بِقَصْدِ التَّقِيَّةِ لِإِخْفَاءِ كُفْرِهِمْ، وَهُوَ يَقْتَضِي كَرْهَهُ فِي قُلُوبِهِمْ وَعَدَمَ إِخْلَاصِهِمْ فِيهِ، وَهُوَ مَا أَثْبَتَهُ لَهُمْ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ طَوَاعِيَةُ الْمَصْلَحَةِ أَوِ الطَّبْعِ، لَا طَاعَةُ الشَّرْعِ، وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ التَّرْدِيدَ بَيْنَ الطَّوْعِ وَالْكَرْهِ فِي مِثْلِ هَذَا التَّعْبِيرِ لَا يَقْتَضِي إِثْبَاتَ وُقُوعِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ مَهْمَا يَكُنِ الْوَاقِعُ فَهِيَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ لِوُجُودِ الْكُفْرِ الْمَانِعِ مِنَ الْقَبُولِ، وَمَنْ أَطَاعَ اللهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ وَعَصَاهُمَا فِيمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ فَلَا يُعَدُّ مُذْعِنًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ اللهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُذْعِنًا لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} (2: 85) وَقَدْ بَايَعَ الْمُؤْمِنُونَ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم عَلَى الطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ.
وَلَمَّا كَانَ أُولَئِكَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أُولِي الطَّوْلِ وَالسَّعَةِ فِي الدُّنْيَا كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: {اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86)} وَكَانَ تَرَفُ الْغَنِيِّ وَطُغْيَانُهُ أَقْوَى أَسْبَابِ إِعْرَاضِهِمْ عَنْ آيَاتِ اللهِ، وَالتَّأَمُّلِ فِي مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ- بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ سُوءَ عَاقِبَتِهِمْ فِيهِ فَقَالَ: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ}، الْإِعْجَابُ بِالشَّيْءِ أَنْ تُسَرَّ بِهِ سُرُورَ رَاضٍ بِهِ فَتَعْجَبُ مِنْ حُسْنِهِ كَمَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَالْخِطَابُ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم أَوْ لِكُلِّ مَنْ سَمِعَ الْقَوْلَ أَوْ بَلَغَهُ، وَالْكَلَامُ مُرَتَّبٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُمْ فِي مَظِنَّةِ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا، فَلَا تُعْجِبْكَ أَيُّهَا الرَّسُولُ أَوْ أَيُّهَا السَّامِعُ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمُ الَّتِي هِيَ فِي نَفْسِهَا مِنْ أَكْبَرِ النِّعَمِ وَأَجَلِّهَا، وَلَا تَظُنَّ أَنَّهُمْ وَقَدْ حُرِمُوا مِنْ ثَوَابِهَا فِي الْآخِرَةِ قَدْ صَفَا لَهُمْ نَعِيمُهَا فِي الدُّنْيَا، وَعَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بِمَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْمُنَغِّصَاتِ وَالْحَسَرَاتِ، أَمَّا الْأَمْوَالُ فَإِنَّهُمْ يَتْعَبُونَ فِي جَمْعِهَا، وَيَحْرِصُونَ عَلَى حِفْظِهَا، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ مَا يُنْفِقُونَهُ مِنْهَا مِنْ زَكَاةٍ وَإِعَانَةٍ عَلَى قِتَالٍ، وَإِنْفَاقٍ عَلَى قَرِيبٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَشَقُّ مِنْهُ إِعْتِقَادُهُمْ أَنَّهُمْ يَتْرُكُونَهَا بَعْدَهُمْ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ وَرَثَتَهُمْ مِنْهُمْ فِي الْغَالِبِ حَتَّى زَعِيمِهِمُ الْأَكْبَرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ (لَعَنَهُ اللهُ) كَمَا سَيَأْتِي فِي الْآيَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي خَبَرِ مَوْتِهِ عَلَى كُفْرِهِ، وَأُعِيدَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا. وَأَمَّا الْأَوْلَادُ فَلِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُمْ قَدْ نَشَؤُوا فِي الْإِسْلَامِ، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ قُلُوبُهُمْ، وَأَنَّهُمْ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَكُلُّ هَذِهِ حَسَرَاتٌ فِي قُلُوبِهِمْ. وَلَقَدْ كَانَ ثَعْلَبَةُ الَّذِي عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَاهُ مِنْ فَضْلِهِ لَيَصَّدَّقَنَّ وَلَيَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، ثُمَّ نَقَضَ عَهْدَهُ وَأَخْلَفَ اللهَ مَا وَعَدَهُ بَعْدَ أَنْ أَغْنَاهُ- أَشَدَّهُمْ حَسْرَةً بِامْتِنَاعِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَخُلَفَائِهِ عَنْ قَبُولِ زَكَاتِهِ وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ فَيُعَذَّبُونَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ أَشَدَّ مِمَّا عُذِّبُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا بِمَوْتِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمُ الْمُحْبِطِ لِعَمَلِهِمْ. زُهُوقُ الْأَنْفُسِ: خُرُوجُهَا مِنَ الْأَجْسَادِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: هُوَ الْخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ. وَفِي التَّنْزِيلِ: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} (17: 81) أَيْ هَلَكَ وَاضْمَحَلَّ، وَجَعَلَهُ فِي الْأَسَاسِ مَجَازًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ زَهَقَ السَّهْمُ إِذَا سَقَطَ دُونَ الْهَدَفِ، وَوَرَدَ زَهَقَتِ النَّاقَةُ بِمَعْنَى أَسْرَعَتْ، فَالتَّعْبِيرُ بِالزُّهُوقِ هُنَا إِمَّا مِنَ الْأَوَّلِ أَيِ: الْهَلَاكِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَإِمَّا مِنَ الْإِسْرَاعِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ إِلَّا الْقَلِيلُ حَقِيقَةً، أَوْ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِيهِمْ: {قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا} (33: 16).
{وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ}.
هَاتَانِ الْآيَتَانِ فِي بَيَانِ سَبَبِ النِّفَاقِ، وَمُصَانَعَةِ الْمُنَافِقِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الْخَوْفُ وَبَيَانُ حَالِهِمْ فِيهِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ} قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ كَذِبًا وَبَاطِلًا أَنَّهُمْ لَمِنْكُمْ فِي الدِّينِ وَالْمِلَّةِ {وَمَا هُمْ مِنْكُمْ} أَيْ: لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ، بَلْ هُمْ أَهْلُ شَكٍّ وَنِفَاقٍ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ يَقُولُ: وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَخَافُونَكُمْ، فَهُمْ خَوْفًا مِنْكُمْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ إِنَّهُمْ مِنْكُمْ؛ لِيَأْمَنُوا فِيكُمْ فَلَا يُقْتُلُوا. اهـ.
وَأَقُولُ: إِنَّ الْفَرَقَ بِالتَّحْرِيكِ الْخَوْفُ الشَّدِيدُ الَّذِي يَفْرُقُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَإِدْرَاكِهِ- أَوْ هُوَ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ: تَفَرُّقُ الْقَلْبِ مِنَ الْخَوْفِ، وَاسْتِعْمَالُ الْفَرَقِ فِيهِ كَاسْتِعْمَالِ الصَّدْعِ وَالشَّقِّ فِيهِ، وَفِعْلُهُ بِوَزْنِ فَرَحَ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ مِنْ شِدَّةِ خَوْفِهِمُ الَّذِي فَرَقَ قُلُوبَهُمْ وَمَزَّقَهَا. ثُمَّ بَيَّنَ سُوءَ حَالِهِمْ فِي هَذَا الْفَرَقِ بِقَوْلِهِ: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} الْمَلْجَأُ: الْمَكَانُ الَّذِي يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْخَائِفُ؛ لِيَعْتَصِمَ بِهِ مِنْ حِصْنٍ أَوْ قَلْعَةٍ أَوْ جَزِيرَةٍ فِي بَحْرٍ أَوْ قُنَّةٍ فِي جَبَلٍ، وَالْمَغَارَاتُ: جَمْعُ مَغَارَةٍ وَهِيَ الْغَارُ فِي الْجَبَلِ، وَتَقَدَّمَ اشْتِقَاقُهُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْغَارِ، وَالْمُدَّخَلُ بِالتَّشْدِيدِ (مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ) السِّرْبُ فِي الْأَرْضِ يَدْخُلُهُ الْإِنْسَانُ بِمَشَقَّةٍ، وَالْجِمَاحُ: السُّرْعَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَتَعَسَّرُ مُقَاوَمَتُهَا أَوْ تَتَعَذَّرُ. يَقُولُ: إِنَّهُمْ لِشِدَّةِ كُرْهِهِمْ لِلْقِتَالِ مَعَكُمْ وَلِمُعَاشَرَتِكُمْ، وَلِشِدَّةِ رُعْبِهِمْ مِنْ ظُهُورِ نِفَاقِهِمْ لَكُمْ، يَتَمَنَّوْنَ الْفِرَارَ مِنْكُمْ، وَالْمَعِيشَةَ فِي مَضِيقٍ مِنَ الْأَرْضِ يَعْتَصِمُونَ بِهِ مِنِ انْتِقَامِكُمْ، بِحَيْثُ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً يَلْجَؤُونَ إِلَيْهِ، أَوْ مَغَارَاتٍ يَغُورُونَ فِيهَا، أَوْ مُدَّخَلًا يَنْدَسُّونَ وَيَنْجَحِرُونَ فِيهِ، {لَوَلَّوْا إِلَيْهِ} أَيْ: إِلَى مَا يَجِدُونَهُ مِمَّا ذُكِرَ- وَهُمْ يُسْرِعُونَ مُتَقَحِّمِينَ كَالْفَرَسِ الْجَمُوحِ لَا يَرُدُّهُمْ شَيْءٌ. وَهَذَا الْوَصْفُ مَنْ أَبْلَغِ مُبَالَغَةِ الْقُرْآنِ فِي تَصْوِيرِ الْحَقَائِقِ الَّتِي لَا تَتَجَلَّى لِلْفَهْمِ وَالْعِبْرَةِ بِدُونِهَا، فَتَصَوَّرْ شُخُوصَهُمْ وَهُمْ يَعْدُونَ بِغَيْرِ نِظَامٍ، يَلْهَثُونَ كَمَا تَلْهَثُ الْكِلَابُ، يَتَسَابَقُونَ إِلَى تِلْكَ الْمَلَاجِئِ مِنْ مَغَارَاتٍ وَمُدَّخَلَاتٍ، فَيَتَسَلَّقُونَ إِلَيْهَا، أَوْ يَنْدَسُّونَ فِيهَا. فَكَذَلِكَ كَانَ تَصَوُّرُهُمْ عِنْدَ مَا سَمِعُوا الْآيَةَ فِي وَصْفِهِمْ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَإِنَّمَا وَصَفَهُمُ اللهُ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا أَقَامُوا بَيْنَ أَظْهُرِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ وَعَدَاوَتِهِمْ لَهُمْ، وَلِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي قَوْمِهِمْ وَعَشِيرَتِهِمْ، وَفِي دُورِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ وَفِرَاقِهِ فَصَانَعُوا الْقَوْمَ بِالنِّفَاقِ، وَدَافَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ بِالْكُفْرِ (كَذَا وَلَعَلَّ أَصْلَهُ بِإِخْفَاءِ الْكُفْرِ) وَدَعْوَى الْإِيمَانِ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ مَا فِيهَا مِنَ الْبُغْضِ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ وَالْعَدَاوَةِ لَهُمُ. اهـ.
{وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ}
كَانَ الْمُنَافِقُونَ يَرْتَقِبُونَ الْفُرَصَ لِلصَّدِّ عَنِ الْإِسْلَامِ بِالطَّعْنِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالشُّبَهِ الَّتِي يَظُنُّونَ أَنَّهَا تُوقِعُ الرَّيْبَ فِي قُلُوبِ ضُعَفَاءِ الْإِيمَانِ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ وَقَدْ كَانَ مِنْهَا قِسْمَةُ الصَّدَقَاتِ وَالْغَنَائِمِ. رَوَى الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَمُصَنِّفُو التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ قَسَمًا إِذْ جَاءَهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدَلْ؟» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» الْحَدِيثَ بِطُولِهِ.
قال (أَبُو سَعِيدٍ) فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} الْآيَةَ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا قَسَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غَنَائِمَ حُنَيْنٍ سَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: «رَحْمَةُ اللهِ عَلَى مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» وَنَزَلَ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} وَرَوَى سُنَيْدٌ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي عَاصِمٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَدَقَةٍ فَقَسَّمَهَا هَاهُنَا وَهَاهُنَا حَتَّى ذَهَبَتْ، وَرَآهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: مَا هَذَا بِالْعَدْلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَهُنَالِكَ رِوَايَاتٌ أُخْرَى يَدُلُّ مَجْمُوعُهَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَالَهُ أَفْرَادٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ سَبَبُهُ حِرْمَانَهُمْ مِنَ الْعَطِيَّةِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْآيَةِ، وَكَانُوا مِنْ مُنَافِقِي الْأَنْصَارِ، بَلْ كَانَ جَمِيعُ الْمُنَافِقِينَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَنِ الْمُهَاجِرِينَ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ هَؤُلَاءِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ أَسْلَمُوا فِي وَقْتِ ضَعْفِ الْإِسْلَامِ، وَاحْتَمَلُوا الْإِيذَاءَ الشَّدِيدَ فِي سَبِيلِ إِسْلَامِهِمْ، وَلَا مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَوَّلِينَ كَالَّذِينِ بَايَعُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي مِنًى، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْكَلَامِ عَلَى غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مِنْ هَذَا الْجُزْءِ سَبَبُ حِرْمَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْأَنْصَارَ مِنْ غَنَائِمِ هَوَازِنَ، وَمَنِ اسْتَاءَ مِنْهُمْ وَمَنْ تَكَلَّمَ، وَإِرْضَاءُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُمْ، وَلَكِنَّ الْآيَةَ نَصٌّ فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ، فَجَعَلَ الْغَنَائِمَ سَبَبًا لِنُزُولِهَا مِنْ جُمْلَةِ تَسَاهُلِهِمْ فِيمَا يُسَمُّونَهُ أَسْبَابَ النُّزُولِ.
قال تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} اللَّمْزُ: مَصْدَرُ لَمَزَهُ إِذَا عَابَهُ وَطَعَنَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا أَوْ فِي وَجْهِهِ، وَأَمَّا هَمَزَهُ هَمْزًا فَمَعْنَاهُ عَابَهُ فِي غِيبَتِهِ، وَأَصْلُهُ الْعَضُّ وَالضَّغْطُ عَلَى الشَّيْءِ. وَالْمَعْنَى: وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ مَنْ يَعِيبُكَ وَيَطْعَنُ عَلَيْكَ فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ وَهِيَ أَمْوَالُ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تُحَابِي فِيهَا فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَطَاؤُهُمْ بِاسْتِحْقَاقٍ، كَأَنْ أَظْهَرُوا الْفَقْرَ كَذِبًا وَاحْتِيَالًا أَوْ كَانَ لِتَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ {وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ} أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا فَاجَأَهُمُ السُّخْطُ أَوْ فَاجَئُوكَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلْعَطَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَاهَمَّ لَهُمْ، وَلَا حَظَّ مِنَ الْإِسْلَامِ، إِلَّا الْمَنَعَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ كَنَيْلِ الْحُطَامِ. وَقَدْ عَبَّرَ عَنْ رِضَاهُمْ بِصِيغَةِ الْمَاضِي لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ لِأَجْلِ الْعَطَاءِ فِي وَقْتِهِ وَيَنْقَضِي، فَلَا يَعُدُّونَهُ نِعْمَةً يَتَمَنَّوْنَ دَوَامَ الْإِسْلَامِ لِدَوَامِهَا، وَعَبَّرَ عَنْ سُخْطِهِمْ بِإِذَا الْفُجَائِيَّةِ، وَبِفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى سُرْعَتِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ. وَهَذَا دَأْبُ الْمُنَافِقِينَ وَخُلُقُهُمْ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، كَمَا نَرَاهُ بِالْعِيَانِ، حَتَّى مِنْ مُدَّعِي كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَالْعِلْمِ وَالْعِرْفَانِ.
{وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ} أَيْ: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا أَعْطَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ بِمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْغَنَائِمِ وَغَيْرِهَا، وَأَعْطَاهُمْ رَسُولُهُ بِقَسْمِهِ لِلْغَنَائِمِ وَالصَّدَقَاتِ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ تعالى: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ} أَيْ: هُوَ مُحْسِبُنَا وَكَافِينَا فِي كُلِّ حَالٍ {سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} أَيْ: سَيُعْطِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالْكَسْبِ؛ لِأَنَّ فَضْلَهُ دَائِمٌ لَا يَنْقَطِعُ، وَيُعْطِينَا رَسُولُهُ مِمَّا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالصَّدَقَاتِ زِيَادَةً مِمَّا أَعْطَانَا مِنْ قَبْلُ، لَا يَبْخَسُ أَحَدًا مِنَّا حَقًّا يَسْتَحِقُّهُ فِي شَرْعِ اللهِ تعالى: {إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ} لَا نَرْغَبُ إِلَى غَيْرِهِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ بِيَدِهِ مَلَكُوتَ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِلَيْهِ نَتَوَجَّهُ، وَمِنْهُ نَرْجُو أَنْ يَبْسُطَ لَنَا فِي الرِّزْقِ بِمَا يُوَفِّقُنَا لَهُ مِنَ الْعَمَلِ، وَيَهَبُهُ لَنَا مِنَ النَّصْرِ- لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ.
الرَّغَبُ بِالتَّحْرِيكِ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، يُقَالُ رَغِبَهُ، وَيَتَعَدَّى بِفِي يُقَالُ: رَغِبَ فِيهِ، أَيْ: أَحَبَّ حُصُولَهُ لَهُ وَتَوَجَّهَ شَوْقُهُ إِلَى طَلَبِهِ، وَيَتَعَدَّى بِعَنْ لِضِدِّ ذَلِكَ، فَيُقَالُ: رَغِبَ عَنْهُ، وَمِنْهُ: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} (2: 13) وَأَمَّا تَعْدِيَتُهُ بِإِلَى فَهُوَ بِمَعْنَى التَّوَجُّهِ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا غَايَةٌ، وَلَا يَنْبَغِي هَذَا إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى إِذَا أُرِيدَ بِالْغَايَةِ مَا بَعْدَ الْأَسْبَابِ الْمَعْرُوفَةِ لِلْبَشَرِ وَهُوَ مَقَامُ التَّوَكُّلِ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ، حَسْبُنَا اللهُ وَرَسُولُهُ، كَمَا يَقُولُونَ: سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ، فَلِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم كَسْبٌ فِي الْإِيتَاءِ بَعْدَ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّ الْمُحْسِبَ الْكَافِيَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، كَمَا قَالَ: {أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} (39: 36)؟ وَقَالَ: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (65: 3) وَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِي التَّنْزِيلِ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَصْرِ، وَمَا ثَمَّ إِلَّا هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَمِثْلُهَا فِي سُورَةِ الْقَلَمِ {إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ} (68: 32) وَقَوْلُهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ فِي سُورَةِ الِانْشِرَاحِ: {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} (94: 8).
وَإِنَّمَا حُذِفَ جَوَابُ الشَّرْطِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنَ الْقَرِينَةِ، وَتَفْصِيلُ الْمَعْنَى: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مِنَ اللهِ بِنِعْمَتِهِ، وَمِنَ الرَّسُولِ بِقِسْمَتِهِ، وَعَلَّقُوا أَمَلَهُمْ وَرَجَاءَهُمْ بِفَضْلِ اللهِ وَكِفَايَتِهِ، وَمَا سَيُنْعِمُ اللهُ بِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَبِعَدْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِي الْقِسْمَةِ، وَانْتَهَتْ رَغْبَتُهُمْ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ إِلَى اللهِ وَحْدَهُ، لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنَ الطَّمَعِ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ، وَلَمْزِ الرَّسُولِ الْمَعْصُومِ مِنْ كُلِّ مَلْمَزٍ وَمَهْمَزٍ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَالْآيَتَانِ تَهْدِيَانِ الْمُؤْمِنَ إِلَى الْقَنَاعَةِ بِكَسْبِهِ وَمَا يَنَالُهُ بِحَقٍّ مِنْ صَدَقَةٍ وَنَحْوِهَا، ثُمَّ بِأَنْ يُوَجِّهَ قَلْبَهُ إِلَى رَبِّهِ، وَلَا يَرْغَبَ إِلَّا إِلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ رَغَائِبِهِ الَّتِي وَرَاءَ كَسْبِهِ وَحُقُوقِهِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا إِلَى الرَّسُولِ، وَلَا إِلَى مَنْ دُونَهُ فَضْلًا وَعَدْلًا وَقُرْبًا مِنَ اللهِ تَعَالَى بِالْأَوْلَى، فَتَعِسًا لِعُبَّادِ الْقُبُورِ، وَالرَّاغِبِينَ إِلَى مَا دُفِنَ فِيهَا مِنْ مُهِمَّاتِ الْأُمُورِ. اهـ.